القدس قضية وطنية أولاً..

لم يتحول “يوم الغضب” أمس الذي دعت اليه حركة “حماس” في القدس الشرقية والضفة الغربية، احتجاجاً على تدشين كنيس “حورفا” أو كنيس “الخراب” انتفاضة ثالثة كما توقعت جهات أمنية إسرائيلية، وخططت له جهات فلسطينية.ولكن ما جرى  بالأمس عكس صورة عن حالة الاحتقان الشديد التي تسود الشارع الفلسطيني ضد مخططات حكومة نتنياهو لتهويد القدس القديمة، كما دل على أن الوضع برمته على حافة الإنفجار في حال استمر الجمود الحالي في احياء مسار المفاوضات، وواصلت حكومة نتنياهو تطبيق الخطط الرامية الى خلق واقع على الأرض في القدس يجعل من العصيّ ايجاد حل لمشكلة تقاسم السيادة على المدينة في حال قيام دولة فلسطينية. سعت حكومة نتنياهو منذ وصولها الى السلطة، الى تحقيق خطة حكومية رسمية أُقرت منذ اعوام هدفها تهويد القدس واحداث تغيير ديموغرافي في التركيبة السكانية للمدينة وفي حدودها الجغرافية. وتقوم الخطة على توسيع الأحياء اليهودية عبر بناء المزيد من الوحدات السكنية الجديدة التي كان آخرها الإعلان عن بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في حي رامات شلومو شمال القدس؛ وحماية الوجود اليهودي الاستيطاني وسط الأحياء العربية، وتطويق أحياء المدينة العربية بسلسلة من الحدائق والمنتزهات تقطع التواصل بين هذه الأحياء والضفة الغربية وتعزلها عنها، وترميم الأماكن الأثرية الدينية اليهودية بهدف تشجيع السياحة الدينية، بالاضافة الى القيام بسلسلة من الحفريات تحت المسجد الأقصى والحرم الإبرهيمي بحجة البحث عن آثار الهيكل، وحفر مجموعة من الأنفاق التي تربط بين الأحياء اليهودية للمدينة وتسمح لإسرائيل بسيطرة أمنية أفضل على الحرم الإبرهيمي.
يحمل الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي على القدس أوجهاً متعددة أحدها ديني، ولكنه في أساسه قومي ووطني. ولطالما حاول الإسرائيليون أن يعطوا الصراع على القدس طابعاً دينياً خالصاً وتصويره بأنه صراع ضد التنظيمات الأصولية المتشددة التي تريد فرض الهوية الإسلامية على المدينة، تحقيقاً لمخططها الأساسي الهادف الى القضاء على إسرائيل واقامة الدولة الفلسطينية المسلمة على كامل أراضي فلسطين التاريخية.
وهذا تشويه وحرف لجوهر النزاع لأن القدس القديمة لا تشتمل على أماكن مقدسة بالنسبة للمسلمين فحسب، وانما هي مدينة المقدسات المسيحية أيضاً. صحيح أن عدد المسيحيين في القدس شهد تراجعاً كبيراً في الأعوام الأخيرة نتيجة الهجرة وانخفاض معدل الولادات، لكن هذا لا يغير شيئاً من واقع النزاع السياسي – القومي مع إسرائيل حول السيادة على الأماكن المقدسة سواء كانت إسلامية أو مسيحية.
يثير موضوع السيادة اليهودية على القدس حساسية عالية وسط الإسرائيليين واليهود اجمالاً نظراً الى الرمزية الكبيرة لهذه المدينة في تاريخ اليهود، ومكانتها المركزية في تحديد هويتهم. ويعكس احتدام الصراع على هوية المدينة رغبة إسرائيلية عميقة في جعل تهويد القدس حجر الأساس على طريق الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وتحويل ذلك معطى ثابتا غير قابل للنقاش في أي تسوية ممكنة للنزاع مع الفلسطينيين. ويمكن أن نُدخل ضمن هذا الإطار كل المحاولات الإسرائيلية في السيطرة على المواقع الأثرية في المدينة مثل الحرم الإبرهيمي وقبر راحيل، واعلانها أماكن تراثية يهودية، في محاولة إسرائيلية خبيثة لإذكاء روح التعصب الطائفي، وتصوير النزاع حول القدس بأنه نزاع ديني يهودي-إسلامي.
ولكن لا بد من الاعتراف أيضاً بأن التنظيمات الإسلامية وعلى رأسها “حماس” و”الجهاد الإسلامي” تسعى بدورها الى اضفاء الصبغة الدينية على الصراع على مستقبل القدس، وتسخير ذلك لخدمة أهداف مشروعها السياسي، والنيل من أخصامها في الداخل وعلى رأسهم السلطة الفلسطينية بزعامة محمود.
قضية القدس هي قضية العرب اجمعين المسلمين منهم والمسيحيين، والأماكن المقدسة كلها عرضة للإنتهاكات والأطماع. واذا كان مشهد كنيس “الخراب” المرمم والمطل على المسجد الأقصى وقبة الصخرة اثار الغضب لدى المسلمين، فإن ما تتعرض له المدينة القديمة من تهويد وتغيير للهوية موضع قلق ورفض ليس من قبل المسلمين فحسب، وانما العالم كله.

Advertisements



    اترك رد

    إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

    شعار وردبرس.كوم

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Connecting to %s



%d مدونون معجبون بهذه: