إسبانيا لديها الوسائل التي تمكنها من تجنب مصير اليونان (فاينانشال تايمز)

بعد ستة فصول من النمو السالب واقتراب معدلات البطالة من 20 في المائة، ربما كانت السمة المفاجئة أكثر من غيرها للوضع في إسبانيا هي عدم اتخاذ الحكومة والبنك المركزي أي إجراء في هذا الصدد. أخطأت الحكومة في البداية في تشخيص الأزمة, معتبرة أنها ناجمة عن تراجع مؤقت للطلب يمكن معالجته عبر إجراءات قصيرة المدى لوقف اتساع هذه الفجوة، ولم تعترف إلا في الآونة الأخيرة فقط بأن هناك حاجة إلى إجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية. ويشعر بنك إسبانيا المركزي بعد أن نال الثناء بسبب سلامة الأنظمة المصرفية التي حالت دون تراكم «الأصول السامة»، بالاضطراب والعصبية بشأن إعادة هيكلة النظام المالي. ويشهد تقديم القروض للقطاعات كافة تراجعاً شديداً، باستثناء القطاع العقاري الذي يحتضر.لكن لا تحتاج إسبانيا إلى أن تكون اليونان التالية. فما زال الدين العام متدنياً. ولا يوجد سبب مباشر يدعو المستثمرين الأجانب للقلق، لأن البلد يستطيع بسهولة أن يفي بالتزاماته في بعض الأعوام المقبلة. لكن النسيج الاجتماعي لا يستطيع أن يحتمل حالة عدم التصرف هذه لفترة طويلة.

هناك اتفاق عام حالياً على التشخيص. نعم، كانت الأزمة عالمية، لكن إسبانيا كانت منكشفة بشكل خاص. فلم يشهد البلد في العقد الماضي أي نمو في الإنتاجية، لكن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد نما وبسرعة، الأمر الذي يعزى بصورة رئيسية إلى الزيادة في عدد السكان العاملين كنسبة مئوية من العدد الكلي للسكان وإلى انخفاض معدلات البطالة. وبعد ذلك انفجرت فقاعة العقار وتسبب انفجارها في تدمير جزء كبير من ثروة الأسر التي ترزح تحت المديونية العالية. وتبين بشكل واضح أن متانة الأوضاع المالية ما هي إلا وهم.

ما ينبغي أن يحدث الآن يقع في ثلاث فئات. أولاً، يتعين أن تتم إعادة هيكلة النظام المالي. وإلى جانب البنوك ذات الدرجة العالمية، مثل بنك BBVA وبنك سانتاندر، يوجد لدى إسبانيا عدد كبير من البنوك الصغيرة ذات الرسملة المتدنية، وهي غير مدرجة للتداول وغالباً ما تسيطر عليها الزعامات السياسية في الأقاليم. وكثير منها معرض بشكل كبير لمخزون قروض مشكوك في تحصيلها تبلغ 325 مليار يورو (442 مليار دولار) مقدمة إلى شركات التطوير العقاري. ومما يضاعف المشكلة أن عمليات مسك الدفاتر تتم بدون رقابة. وحتى مع ارتفاع معدلات البطالة وزيادة أعداد القروض متعثرة السداد في البنوك الأخرى، تحدثت البنوك الصغيرة عن عدة فصول من التحسن أو الاستقرار في أرقام قروضها متعثرة السداد. ويقدر محللون في بنك كريدي سويس عدد القروض المتعثرة حقيقة عن السداد بضعفي نسبة 5 في المائة المعلنة في الوقت الراهن. وبينما وافق البرلمان في تموز (يوليو) الماضي على إنشاء صندوق بمبلغ يصل إلى 100 مليار يورو لإعادة هيكلة البنوك، لم يتم استخدام هذا المبلغ حتى الآن. وتبين أن المشكلة صعبة بسبب عدم استعداد الحكومة والبنك المركزي لتحدي السلطات الإقليمية التي تسيطر على البنوك الصغيرة.

ثانياً، يجب أن تتحرك حسابات الحكومة نحو الاستدامة. وتحتاج الحكومة لجمع 200 مليار يورو على شكل دين إجمالي هذا العام، بما في ذلك 100 مليار يورو على شكل دين جديد لسد العجز الخاص بعام 2010. ويتمثل أحد الأخطاء الكبيرة هنا في عملية إعادة الهيكلة المنتظرة التي إذا بلغت تكلفتها 100 مليار يورو، فسترفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 80 في المائة. وأقدمت الحكومة في الأشهر الأخيرة على الإعلان عن تدابير مثل تجميد أجور موظفي الخدمة المدنية وزيادة الضرائب، أو تأجيلها، أو المراوغة بشأنها. وبعض التدابير التي تم الإعلان عنها، مثل خفض أعداد الوظائف في القطاع العام لا يمكن تنفيذها من دون تعاون إقليمي في بلد يعمل فيه 22 في المائة فقط من موظفي القطاع العام لدى الحكومة المركزية. وتظهر هنا مرة أخرى مشكلة رئيسية هي تحول الدولة إلى النظام اللامركزي كيفما اتفق.

ثالثاً، هناك حاجة إلى إدخال إصلاحات هيكلية، خاصة في سوق العمل، من أجل زيادة الإنتاجية. لقد عملت سوق العمل المزدوجة (الموظفون الداخليون الذين يتمتعون بحماية كبيرة والوظائف المؤقتة التي تتسم بالمرونة الكاملة) على الحد من نطاق حصول الشباب على وظيفة لها مستقبل، وعلى توفير فرص كثيرة في السياحة وأعمال الإنشاء، وفي الوقت نفسه شجعت المراهقين على ترك المدرسة بأعداد كبيرة. ولا يرغب أصحاب العمل في توفير التدريب للعاملين بموجب عقود مؤقتة، كما أن النظام التدريبي الخاص بالعاطلين عن العمل لا يفعل الكثير لرفع مستوى مهاراتهم. والنتيجة هي وجود قوة عاملة غير مؤهلة لاقتصاد معولم يستند إلى المعرفة.

ينبغي للحكومة والبنك المركزي إدراك خطورة الوضع. ويجب على الحكومة أن تقوم بالدمج المالي والإصلاحات الهيكلية، في حين ينبغي للبنك المركزي أن يزيد شفافية النظام المالي بشكل كبير والمباشرة في إعادة هيكلته. ويمكن لهذه الإصلاحات أن تطلق العنان للإمكانات التي ينطوي عليها البلد. والبديل هو سنوات من النمو الضعيف واستحكام ارتفاع معدلات البطالة.

الكاتب أستاذ الاقتصاد والاستراتيجية في مدرسة لندن للاقتصاد.

Advertisements



    اترك رد

    إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

    شعار وردبرس.كوم

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Connecting to %s



%d مدونون معجبون بهذه: