الموازنات التقشفية الطريق الأمثل للخروج من الأزمة (فاينانشال تايمز)

يتفق جميع محللي السياسات تقريباً على أن السبيل إلى عودة الازدهار في أوروبا والولايات المتحدة يعتمد على وضع خطة تتسم بالصدقية، لترسيخ الماليات العامة السليمة. ومن دون هذه الخطة، فإن المتاعب التي لحقت باليونان وتهدد بضرب البرتغال وإسبانيا ستهدد عما قريب المملكة المتحدة والولايات المتحدة وغيرهما من البلدان التي تعاني من العجز. وفي الخلاف الذي نشب أخيرا بين المختصين في الاقتصاد الكلي، دعا معسكر إلى تقوية الموازنات مبكراً، على أن تتبع ذلك تدابير أخرى على مدى خمسة أعوام. ويريدون آخرون مزيداً من التحفيز المالي، الأمر الذي يؤخر عملية تخفيض العجز. لكننا نعتقد أن تأخير البدء في تخفيض العجز يعرض التعافي في الأجل الطويل للخطر. هذا الأسلوب يسيء تقدير العوامل السياسية، والأسواق المالية، والحقائق الاقتصادية الأساسية.إن إلقاء اللوم على الأسواق المالية بسبب المأزق الذي نواجهه، كما يفعل البعض في المعسكر الثاني، يتجاهل حقيقة صعبة تتمثل في أن الحكومات مكنت، إن لم تكن شجعت، التهور من خلال العجوزات المزمنة والضوابط المالية المتساهلة. وبهذا المعنى، مأزقنا هو أزمة سياسية على الأقل بقدر ما هو أزمة مالية. إننا لا نستطيع أن نتوقع الصدقية عبر الخضوع للإغراء مرة أخرى. إن ما يود السياسيون تقديمه على أنه إنقاذ للاقتصاد العالمي من الأسواق المالية هو في كثير من الحالات رد على أخطاء سابقة ومواصلة العمل في الوقت نفسه، في أفق زمني لا يتعدى الانتخابات المقبلة. النماذج المالية التي تدعم المعسكرين تختلف عن بعضها. فالذين يعتبرون أنفسهم من أتباع كينز، ومنهم بول كروجمان، ولوردز لايارد، وسكديلسكي، يرون أن الأسواق المالية جاهزة على نحو جيد لتمويل العجز الموجود في الموازنات، مشيرين إلى تدني أسعار الفائدة في الأسواق. وفي المقابل، نرى أن الأسواق المالية قادرة تماماً على الشعور بالرعب من احتمالات تمويل الدين في المدى المتوسط. إن كآبة ردود أفعال السوق تجاه اليونان يمكن أن تسبب بعض الفزع للأسواق، لكن لها رغم ذلك آثاراً شديدة على الاقتصاد اليوناني. إن الفكرة العامة المتمثلة في أن التأخير مفيد في المدى القصير لأنه يدفع إلى مزيد من الإنفاق حالياً – بغض النظر عن أعباء الدين في المستقبل – خاطئة هي الأخرى على الصعيد النظري والعملي. فإذا تم البدء من مركز يتسم بعجز هيكلي كبير، فإن مزيداً من التحفيز المالي يمكن أن يلقي بظلاله على ثقة المستهلكين والشركات عبر إثارة مخاوف بشأن أعباء الدين في المستقبل. وربما تترجم هذه المخاوف مباشرة إلى ارتفاع في تكاليف الاقتراض حالياًً بالنسبة للحكومات وللاقتصاد الخاص. وهناك كثير من الأمثلة التي تمت دراستها بشكل جيد على «المضاعفات المالية السلبية» التي عملت فيها تخفيضات النفقات المالية ذات الصدقية على تحفيز الاقتصاد، وذلك من خلال زيادة الإنفاق من جانب المستهلكين والمستثمرين بفضل تدني تكاليف الاقتراض وتحفيز الثقة. وزيادة على ذلك، لدينا شك في إمكانية استناد التعافي الاقتصادي المستدام على إعادة تضخيم القطاعات التي تراجعت، أو على الاعتقاد بأن خلق الوظائف في المستقبل يمكن ببساطة أن يأتي من رواتب القطاع العام. إن التعافي المستدام مشروع متوسط الأجل وطويل الأجل: الاستثمار في الجيل التالي من التقنيات والعاملين والأسر. وتجب حماية الذين يتضررون خلال الفترة ما بين انهيار الفقاعة الأخيرة وبدء حقبة جديدة من النمو. لكن من السذاجة الاعتقاد بأن الحكومات تستطيع إيجاد وظائف عالية الجودة والإنتاجية، تدوم عبر تضخيم الفقاعات أو حفر الخنادق. ستكون الحكومات والقطاع الخاص قوتين تكملان بعضهما بعضاً في تعاف حقيقي ودائم على صعيد إيجاد الوظائف. ويجب أن يكون الجزء الأكبر من الوظائف الجديدة في القطاع الخاص. لكن القطاع العام له دور بالغ الأهمية في ضمان توفير الشروط الخاصة بالنمو المستدام. وتشتمل هذه الشروط على تنظيم وتمويل البنية التحتية، والتعليم عالي الجودة، والابتكار، وعلى قاعدة علمية وتكنولوجية من الدرجة الأولى. باختصار، وجهة نظرنا الخاصة بالاقتصاد الكلي يمكن إيرادها على النحو التالي: يجب أن نفلت من الإدارة الاقتصادية عبر المؤشرات الربعية ومتطلبات الدورة السياسية. ذلك أن مشاكلنا في جوهرها تنتج عن العمل للمدى القصير الذي كان زمام القيادة فيه بيد الحكومات، وحرص المصرفيون الذين يسعون وراء المكافآت العالية على السير وراءها. وينبغي أن تتمثل أولويتنا في وضع إطار مالي للمدى المتوسط، على أن تبدأ الخطوات الأولى هذا العام. ويجب أن يترافق ذلك مع إجراء تحسينات على الصحة، والتعليم، والمهارات، والتكنولوجيا، والحماية الاجتماعية لمن يحتاجونها، وإعطاء الاهتمام المناسب للاستثمارات ذات الأجل الطويل، اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد الذي دمرته فقاعات التفكير القائم على التمني.جيفري ساكس مدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. وجورج أوزبورن وزير مالية الظل في بريطانيا.

Advertisements



    اترك رد

    إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

    شعار وردبرس.كوم

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Connecting to %s



%d مدونون معجبون بهذه: