تدافع للسيطرة على فضاء الإنترنت الغني بالموارد (فاينانشال تايمز)

حان الوقت للتوقف عن اعتبار الفضاء الإلكتروني وسيلة إعلامية جديدة، أو خليطاً من وسائل الإعلام الجديدة. فهو قارة جديدة غنية بالموارد، لكنها محفوفة بالمخاطر في بعض المناطق. فقد ظلت غير مكتشفة وغير مأهولة حتى قبل 30 عاما خلت.وكان أول المستوطنين هم المثاليون والرواد الذين انطلقوا من سان خوسيه وبوسطن وسياتل، قبل إرسال رسائل عن الأراضي البكر الرائعة التي تنتظر البشر في عالم الشبكة. وسرعان ما تبعهم عشاق المغامرة ومنتهزو الفرص الذين لم يتمكنوا من تحقيق الثروة عن طريق ابتكار نسختهم الخاصة من فقاعة بحر الجنوب.وكان من المحتوم أن تجتذب المواد العجيبة التي تم اكتشافها في هذه المنطقة اهتمام الدول. والآن بدأ التدافع نحو الفضاء الإلكتروني. وبالفعل بدأت الوكالات العسكرية والاستخباراتية إعلان ملكيتها لأفضل المناطق على الشبكة، في حين بدأت السلطات المدنية وضع حدود لتحديد ملكية المناطق وأولئك المسموح لهم بالتجول فيها.ويجري الآن تأميم الفضاء الإلكتروني بسرعة. ويحدث هذا منذ بعض الوقت في مناطق من العالم. فروسيا تدير برنامجاً يطلق عليه اسم Sorm-2 (نظام الأنشطة التحقيقية التنفيذية) منذ أواخر التسعينيات. ويضمن هذا البرنامج أن تذهب نسخة من كل بايت يدخل، أو يخرج من الدولة، إلى مستودع تخزين هائل تديره وكالة الأمن الفيدرالي. وتستطيع إذا رغبت، أن تقرأ عن الفظائع التي ارتكبت في الشيشان، لكن كن على ثقة أن هناك شخصاً ما سيكون على اطلاع بما تفعل وما تقرأ.

وبالطبع، لدى الصين «جدارها الناري العظيم» الذي يتولى تصفية المواقع غير الصحيحة سياسيا، إضافة إلى المواقع الإباحية وغيرها من أشكال التلوث الثقافي. إلا أن الأكثر أهمية هو طلب الصين، الذي يتم الاستجابة له على نحو فعال، بأن تتخلى الولايات المتحدة عن السيطرة على لغة وأسماء نطاقات الإنترنت من خلال منظمة Icann غير الربحية في كاليفورنيا. ويتم الآن تحويل هذه العملية إلى عملية تنظيمية، على غرار أسلوب الأمم المتحدة. وقريبا ستحظى الصين بالسيطرة المطلقة على هيكل الإنترنت داخل حدودها.والعملية القانونية لوضع خرائط الفضاء الإلكتروني في الغرب أكثر فوضوية، لكننا نشهد الآن وضع مجموعة كبيرة من القوانين والقواعد من قبل المشرعين والمحاكم. فخلال جلسة استماع تم عقدها الأسبوع الماضي في محكمة Blackfriars Crown Court في لندن بعد محاكمة جريمة رئيسية تم ارتكابها في فضاء الإنترنت، حدد هارندرا دي سيلفا جوهر الأمر حين قال: «إننا ندخل عالما يتطلب فيه التفاعل البشري من أي نوع استخدام الإنترنت».

وبالتالي هناك حاجة ملحة لتحديد القواعد التي يمكن تطبيقها في الفضاء الإلكتروني، وهي آخذة في الظهور بسرعة دون وجود استراتيجية متناسقة وراءها. ولا أحد يعلم إلى أين ستؤدي هذه العملية، وذلك لسببين رئيسيين: الأول، أن سرعة التغير التكنولوجي تعني أن الأدوات التقليدية للدولة التي استخدمت لتقسيم العالم في القرن التاسع عشر، مثل القوانين والمعاهدات، غير كافية غالبا، إن لم تكن ليست ذات صلة على الإطلاق، حين يتم تطبيقها على هذا المجال الجديد.

واستثمرت وكالات إنفاذ القانون، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الجريمة المنظمة الخطيرة في بريطانيا، كثير من الوقت والمال لإسقاط الشبكات الإجرامية على الإنترنت. لكن وفقا لإفادة من مركز شكاوى جرائم الإنترنت أخيرا، تواصل الخسائر الناجمة عن جرائم الإنترنت ارتفاعها بمعدل مذهل، لأن المجرمين يتكيفون بسرعة هائلة مع أساليب الشرطة الجديدة.وفي العالم التجاري، من غير المرجح أن تصمد التشريعات الرئيسية المتعلقة بحقوق التأليف ــ مثل قانون الاقتصاد الرقمي في بريطانيا ـ في وجه المتغير الثاني الكبير: بلوغ جيل الإنترنت سن الرشد. ومن المحتمل أن يتبين أن القوانين التي تحظر تبادل الملفات لا تحظى بالشعبية، تماما مثل ضريبة حقوق التصويت التي ساعدت على إسقاط حكومة تاتشر. كما أنها تبدو غير قابلة للتنفيذ على الإطلاق.

وما يبشر بالتغيير هو ما نشهده من نشوء أحزاب سياسية في جميع أنحاء أوروبا لها أسماء مثل حزب الإنترنت، أو حزب القراصنة، تعتبر الإنترنت جزءاً من الحمض النووي البشري. ويقول ريكس هوجز، الزميل في تشاتام هاوس الذي يقود مشروع الأمن في الفضاء الإلكتروني: «في التصادم بين القديم والجديد على الإنترنت، دائما يفوز القديم في الجولات القليلة الأولى، لكنه يموت في النهاية».لكن المعركة الأكبر تدور بين مجال الحرب الإلكترونية ومجال التجسس على الإنترنت. وفي حزيران (يونيو) الماضي عرَّفت الولايات المتحدة الفضاء الإلكتروني بأنه «المجال الخامس» وأول مجال من صنع الإنسان، إلى جانب البر، والبحر، والجو، والفضاء. ويحاول محامو حلف شمال الأطلسي معرفة الكيفية التي تعمل بها قوانين الحرب في الفضاء الإلكتروني. وثار كثير من المخاوف الهستيرية بسبب سباق التسلح الجديد هذا، مثل ما حدث حين قال الأميرال مايك ماكونيل، المدير السابق للاستخبارات الوطنية الأمريكية، في جلسة استماع في مجلس الشيوخ الشهر الماضي: «سنخسر إذا دخلت الدولة الآن في حرب إلكترونية».وفي الوقت نفسه، فإن ظاهرة «إخفاء الهوية»، المفيدة جدا لارتكاب جرائم الإنترنت، هي بمثابة هدية إلى وكالات الاستخبارات التي تتشمم في كل زاوية من زوايا الإنترنت لمعرفة ما يخطط له الناس.

ولم يكن أي من هذا ليكون ذا أهمية كبيرة لولا وجهة نظر دي سيلفا بأن كل شيء نفعله هو بطريقة ما بوساطة الإنترنت. فقد أصبحت الحكومات مهووسة بضرورة السيطرة على الإنترنت، لكنها لا تعرف بعد كيفية فعل ذلك دون خنق الهدف النبيل لأولئك الرواد الذين كان جل ما أرادوه هو تسهيل التواصل بين الأشخاص العاديين.

أحدث كتاب للكاتب: McMafia: A Journey through the Global Criminal Underworld

Advertisements



    اترك رد

    إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

    شعار وردبرس.كوم

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Connecting to %s



%d مدونون معجبون بهذه: