لألمانيا دور يجب أن تلعبه لإعادة التوازن إلى الطلب العالمي (فاينانشال تايمز)

ألمانيا تقول «لا». هذه أهم نتيجة نستخلصها من الجدل الدائر حول السياسة الاقتصادية لمنطقة اليورو. ما تقوله الحكومة الألمانية هو أن منطقة اليورو لا بد أن تصبح ألمانيا الكبرى. لكن هذه السياسة ستكون لها آثار سلبية عميقة على الاقتصاد العالمي.الكتاب الذي أرسله هذا الأسبوع أولريتش فيلهِلم، وزير الدولة والناطق باسم الحكومة، إلى «فاينانشيال تايمز» والمقال الذي نُشِر في الأسبوع الماضي بقلم صديقي أوتمار إيسينج، العضو السابق في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، لهما دلالتهما، ليس فقط لما ورد فيهما، وإنما كذلك لِما لمْ يأتيا على ذكره.ما يريدان قوله هو أن ألمانيا لن تخاطر بتقويض قدرتها التنافسية. النقطة التي لم يعترفا بها هي أن الاقتصاد العالمي أمامه مرحلة من التعديل الصعب، وهي مرحلة يحتاج فيها إلى مساهمة منطقة اليورو وألمانيا.إيسينج واضح تماماً حول النقطة الأولى: «بعد سنوات من التباعد بين تكلفة وحدة العمل والخسائر في القدرة التنافسية في عدد من البلدان، هناك فكرة تنتشر الآن مفادها أن الاقتصاد الذي يتمتع بأكبر قدر من الفائض، أي ألمانيا، ينبغي أن يقدم المساعدة من خلال زيادة الأجور لصالح البلدان التي تعاني من العجز ولصالح الجماعة ككل». وهو يصر على أن الأمر على العكس من ذلك. فالأجور في ألمانيا لا تزال عالية فوق الحد بالنظر إلى المستويات المرتفعة من البطالة.أجد من الصعب عليَّ أن أختلف معه في ذلك. كثير من البلدان دخلت اتحاد عملة اليورو دون أن تدرك المضامين المترتبة على ذلك بالنسبة لأسواق العمل. وبدلاً من أن تقوم هذه البلدان بالإصلاحات التي تفرضها عضوية الاتحاد، آثرت التمتع بحفلة لا تأتي إلا مرة واحدة في العمر. انتهت الحفلة الآن. ولأن تكاليف وحدة العمل في ألمانيا الآن في حالة جمود واليورو ما زال قوياً، فإن تكاليف وحدة العمل في البلدان الأوروبية الهامشية لا بد لها أن تهبط بصورة حادة. ليس هناك بديل أمام هذه البلدان ضمن اتحاد العملة الذي اختارت الانضمام إليه.

لكن بالنسبة للنقطة الثانية، فإن فيلهِلم يعطينا فقرة مثيرة للقلق: «إن مفتاح إصلاح الاختلالات في منطقة اليورو واستعادة الاستقرار في المالية العامة يكمن في زيادة القدرة التنافسية لأوروبا ككل. كلما ازدادت قدرة البلدان التي تعاني من عجز في الحساب الجاري على زيادة قدرتها التنافسية، ستجد أن من السهل عليها تقليص العجز في المالية العامة وفي التجارة الخارجية. إذا اتبعت ألمانيا سياسة لا تسعى بالقدر الكافي إلى تعزيز الاستقرار، فمن شأن ذلك تدمير منطقة اليورو ككل».أجد أن من المستحيل عليَّ أن أتفق معه في ذلك. الأمر المثير للاهتمام حول هذه الملاحظات هو أنه لا يوجد فيها ذكر للطلب. فيلهِلم يدعو كل شخص إلى الانضمام إلى عالم من سياسات الاستفادة على حساب الجار، يربح فيه طرف على حساب خسارة طرف آخر، بحيث يسعى كل بلد إلى اقتناص الحصة السوقية من بقية البلدان. في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من الضعف، تعد هذه توصية للإضرار بالذات بالنسبة لكل من منطقة اليورو والعالم.بصورة أدق، ما تريد ألمانيا أن يتحقق هو تخفيض حاد في العجز في المالية العامة في جميع أنحاء منطقة اليورو. ولأن العجز في المالية العامة في حالة تقلص والناتج في حالة تراجُع، فإن المخرج لكل بلد سيكون من خلال تراجُع تكاليف وحدة العمل النسبية وارتفاع صافي الصادرات. إذا نجح هذا الحل سينقل الضعف الاقتصادي لكل بلد إلى البلدان الأخرى في منطقة اليورو، أو على الأرجح إلى العالم من خلال فائض أكبر من صافي الصادرات من منطقة اليورو.وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيكون العجز العام في المالية العامة لحكومات منطقة اليورو قريباً من 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام. لنفترض أنه تم تقليص هذا العجز بسرعة ليصبح 3 في المائة من الناتج، وفي الوقت نفسه يظل الفائض المالي في القطاع الخاص قريباً من 7 في المائة من الناتج المحلي، كما تشير التوقعات الضمنية في الوقت الحاضر. بالتالي الحساب الجاري لمنطقة اليورو سيكون بحاجة إلى تحقيق نسبة تحسن مقدارها 4 في المائة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي. المبلغ اللازم لذلك سيكون بحدود 600 مليار دولار، وهو رقم لا يبعد كثيراً عن 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للعالم.أين تظن ألمانيا أن التحولات المقابلة لذلك نحو مزيد من العجز الخارجي يمكن أن تحدث؟ هذه السياسة بالتأكيد تجعل من غير الممكن مواجهة تحديات التعديل لما بعد الأزمة بالنسبة للبلدان التي كانت سابقاً تعاني عجزا، خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا. هل سينجو الاقتصاد العالمي المفتوح من ذلك؟

لعلي متشائم فوق الحد حول مضامين الطلب بخصوص التشديد المتوقع في المالية العامة. ربما يكون من شأن زيادة الصدقية حول وضع المالية العامة في بعض البلدان تحفيز الإنفاق في القطاع الخاص. مع ذلك منطقة اليورو بصورة إجمالية يمكن أن تعاني على الأرجح تجددا في ضعف الطلب محلياً، أو أن تصدر هذا الضعف إلى الخارج.هل يمكن لسياسة نقدية نشطة أن تحقق الأثر المطلوب؟ حتى الآن كان البنك المركزي الأوروبي ناجحاً في المحافظة على نمو سريع من النقود السائلة المحدودة خلال الأزمة، بل إنه كان أنجح من الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا. لكن نمو النقود الواسعة أصيب بالانهيار. فضلاً عن ذلك، السياسة النقدية النشطة أخفقت في إيقاف الهبوط الحاد في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، الذي تقلص بنسبة 2 في المائة في السنة المنتهية بالربع الرابع من عام 2009 داخل منطقة اليورو.للأسف يبدو أن السياسة النقدية عاجزة عن توجيه حركة الأموال في الاتجاه النافع. فقد جعلت المصارف مربحة والمصرفيين أغنى من ذي قبل، مع تحقيق نفع متواضع للاقتصاد الفعلي. ومن غير المرجح أن يتغير هذا الوضع خلال وقت قريب.هناك حل بديل من الممكن أن يساعد العالم على امتصاص الفائض الكبير في الصادرات من منطقة اليورو والولايات المتحدة واليابان وبريطانيا. صحيح أننا لا نستطيع التوصل إلى مخرج قابل للاستدامة من المأزق الحالي دون زيادة صافي الحركات الرأسمالية إلى داخل بلدان الأسواق الناشئة. ويبدو من الواضح كذلك أن هذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن ينتهي إليه فائض المدخرات العالمية. لكن تحقيق ذلك سيستغرق بعض الوقت ويحتاج إلى كثير من الإصلاحات.

وأود أن أبين بوضوح ما أقصد بكلامي وما لا أقصد أن أقوله حول دور ألمانيا في منطقة اليورو ودور منطقة اليورو في العالم.لا أقول إن ألمانيا مخطئة من حيث كونها تصنع منتجات من الدرجة الأولى. هذا إنجاز مثير للإعجاب. ولا أقول إن ألمانيا ينبغي أن تجعل عامليها دون قدرة تنافسية، أو أن تقبل بمعدلات عالية للغاية من التضخم. لكنني أقول إن الفائض في ألمانيا أصبح ممكناً بفضل العجز لدى البلدان الأخرى، وبالتالي الاستقرار في ألمانيا تحقق على حساب عدم الاستقرار في البلدان الأخرى. وأقول إن جزءاً من صافي الصادرات الألمانية كان وهمياً، على اعتبار أن تسديد ثمنه جاء عن طريق الاقتراض المفرط، الذي جاء تمويله في الغالب من ألمانيا. وأقول أيضا إذا أردنا لأوروبا الهامشية أن تحسِّن من وضع حساباتها الخارجية، فإما أن تعوِّض ألمانيا بعضاً من ذلك، وإما أن يتحول الحساب الجاري في منطقة اليورو نفسها باتجاه الفائض، مع ما يستتبع ذلك من آثار سيئة على الاقتصاد العالمي الهش.باختصار، السياسة الاقتصادية تختص بأمور تزيد على القدرة التنافسية. وفي وقت يسعى فيه العالم جاهداً للخروج من الركود العميق، فإن الطلب مهم كذلك. وألمانيا باعتبارها رابع اقتصاد في العالم وقلب منطقة اليورو، لديها دور يجب أن تلعبه في إعادة التوازن إلى الطلب العالمي. أنا مدرك أن هذه النقطة تشكل تحدياً صعباً. مع ذلك لا بد من التصدي له.

Advertisements



    اترك رد

    إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

    شعار وردبرس.كوم

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

    Connecting to %s



%d مدونون معجبون بهذه: